ArabComments
Monday, January 29, 2007
  قضيّة ماهر عرار



فيلم أمريكي ـ سوري... قصير !
صبحي حديدي
لقدس العربي
29/01/2007

شريط الوقائع يسير هكذا:

ـ في 26 أيلول (سبتمبر) 2002 يصل المواطن الكندي، السوري الأصل، ماهر عرار إلي مطار ج. ف. كنيدي في مدينة نيويورك، قادماً من زيورخ وقاصداً مونتريال، فتعتقله السلطات الأمريكية وتبلغه أنه ممنوع من دخول الولايات المتحدة، وتسأله عن البلد الذي يرغب في التوجه إليه، فيرد: كندا.

ـ في 4 تشرين الأول (أكتوبر) تزوره مورين غيرفان، الموظفة في القنصلية الكندية، ثم تصرح فيما بعد أنها لم تكن تتخيل أبداً أن السلطات الأمريكية سوف ترحله إلي أي مكان آخر سوي كندا.

ـ في 8 من الشهر ذاته يُنقل عرار من زنزانته، معصوب العينين، ويجري ترحيله إلي سورية علي متن طائرة خاصة، بتهمة القيام بأنشطة إرهابية.

ـ في يوم 9 تهبط الطائرة في الأردن، ويُنقل عرار علي عجل إلي دمشق، براً، حيث يُعتقل في واحد من فروع المخابرات العسكرية الأشد فاشية وبربرية، فرع فلسطين، حيث يقضي فيه قرابة عشرة أشهر، فيتعرض للأصناف المعتادة من التعذيب الجسدي والنفسي، ويضطر إلي الإقرار ـ مكرهاً، ولكي يتفادي المزيد من التعذيب ـ بأنه تدرب في أفغانستان.

ـ في 23 نيسان (أبريل) 2003 يُسمح للسفير الكندي فرانكو بيلاريللا واثنين من أعضاء البرلمان الكندي بزيارة عرار في فرع المخابرات، ولكن بحضور ضباط أمن سوريين، مما يجبر المعتقل علي عدم كشف أي تفصيل حول ظروف اعتقاله؛

ـ تُمنع الزيارات عن عرار حتي تاريخ 14 آب (أغسطس)، حين يزوره القنصل الكندي، ويفلح عرار في إعلامه بتعرضه للتعذيب.

ـ في 23 من الشهر ذاته يُنقل عرار، معصوب العينين دائماً، إلي سجن خارج فرع المخابرات؛ وفي 5 تشرين الأول يُعرض علي قاضٍ يتلو عليه اعترافاته ويطلب منه التوقيع عليها دون قراءتها، ويُنقل بعدها للقاء رئيس المخابرات العسكرية السورية بحضور عدد من المسؤولين الكنديين، فيُطلق سراحه عندئذ، ويسافر إلي كندا.

تتمة هذا الفيلم، وهو إنتاج مشترك بين السلطات الأمنية الأمريكية والسورية، أن عرار اتهم الدرك الملكي الكندي بالتواطؤ في المحنة التي عاشها، وتكاتف معه الرأي العام الكندي فاضطرت الحكومة إلي تشكيل لجنة تحقيق مستقلة برئاسة القاضي دنيس أوكونور. وفي 18 أيلول (سبتمبر) الماضي أصدر القاضي تقريره الذي برأ فيه عرار من كل تهمة تتصل بالإرهاب، وأنحي باللائمة علي محققي الدرك الكنديين لأنهم زودوا السلطات الأمريكية بأدلة غير دقيقة وغير صحيحة، وأوصي بتعويض عرار مالياً. وفي أعقاب نشر التقرير تقدم قائد الدرك الكندي، جوليانو زكارديللي، باعتذار رسمي من عرار، ثم أتبعه بتقديم استقالته.

من جانبه، توجه رئيس الوزراء الكندي، ستيفن هاربر، باعتذار رسمي وعلني باسم الحكومة عن أي دور للسلطات الكندية في المحنة الرهيبة التي عاشها وأفراد أسرته، كما أعلن التوصل مع محامي عرار إلي تسوية تتضمن منحه تعويضاً بقيمة 10.5 ملايين دولار كندي (8.9 ملايين دولار أمريكي). وهكذا، قد يكون هاربر رد للديمقراطية الكندية بعض الكرامة، الحقوقية والدستورية والإنسانية والأخلاقية، التي انتهكها رجال الدرك الكندي، الأمر الذي لا يعني البتة أن قضية عرار سوف تحصن هذه الديمقراطية من انتهاكات مماثلة، وربما أشد فظاعة، في المستقبل القريب. ذلك لأن الطرائق التي تستخدمها الديمقراطيات الغربية في سياق ما يُعرف بـ الحملة علي الإرهاب ، لم تعد تندرج في باب تقنيات التحقيق أو أنساق المكافحة أو أنماط الوقاية، بل صارت فلسفة سياسية وأمنية شاملة كاملة، ولعلها أيضاً متكاملة في ذاتها وبذاتها، خارج نطاق القوانين... أو حتي تستفيق القوانين من سباتها!

الدليل الأبرز علي خلاصة كهذه أن السلطات الأمريكية لا ترفض الاعتذار عن سلوكها البربري (في ترحيل مواطن إلي نظام ديكتاتوري استبدادي استخباراتي 100%، بما يتضمنه ذلك الترحيل من مخاطر جدية ومباشرة علي حياته) فحسب، بل ترفض كذلك إزالة اسم عرار من لوائح المطلوبين والمشبوهين، وهذا ببساطة يعني أنها قد تسلمه من جديد إلي فرع فلسطين إذا ثقفته ثانية ذات يوم! أيضاً، أعلن السفير الأمريكي في أوتاوا، دافيد ولكنز، أن واشنطن سوف تستمر في القضية (ضد مَن؟ وبالتنسيق مع مَن، سوي المخابرات السورية؟)، مضيفاً أن إصرار كندا علي شطب اسم عرار من لائحة المراقبة ينم عن... غطرسة !

والحال أن قضية ماهر عرار كانت، للتذكير، بين أوضح وأبكر قضايا التعاون المباشر بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وعدد من أنظمة الاستبداد الشرق ـ أوسطية، وعدد آخر من الديمقراطيات الغربية وأشباه الديمقراطيات في أوروبا الشرقية بصدد السجون الطائرة والمعتقلات السرية. وليس مدهشاً أن تتعنت السلطات الأمريكية في الإقرار بجريمة نكراء، لأنها في الواقع لم تكن محض خطأ فادح، ارتكبتها عن سابق عمد وتصميم، وتوصلت إلي إدانتها لجنة تحقيق قضائية مستقلة في ديمقراطية جارة للولايات المتحدة.

وأما مجرد التفكير في أن السلطات السورية يمكن أن تعتذر لمواطنها ماهر عرار عن عشرة شهور من المحنة الرهيبة ، فإنه ليس احتمالاً سوريالياً خالصاً فحسب، بل الأرجح أنه نقيض حال تلك السلطات: لعلها تحرق الأرم، اليوم، لأن الديمقراطية الكندية البلهاء أضاعت جهد جلادي فرع فلسطين، فجعلت جلسات التعذيب تذهب هباء بلا طائل!


لا إله إلا الله ولا حول و لا قوة إلا بالله !
 
Comments: Post a Comment

Links to this post:

Create a Link



<< Home
سلام ... Salam ... Here are "ArabComments" on trends and events related to our lives, individually as well as collectively as Arabs living in and out of our Arab Home Lands. We speak on love, religion, and politics of "neo-colonialism". We discuss a diversity of issues, ranging from InfoTech and InfoSec, to everyday price of bread, and everyday price of freedom. You are welcome to add your comments, just as long as they are not propaganda,i.e. SPAM, … Peace … سلام

ARCHIVES
Archives
December 2005 / January 2006 / February 2006 / March 2006 / April 2006 / May 2006 / June 2006 / July 2006 / September 2006 / October 2006 / November 2006 / January 2007 / February 2007 / June 2007 / July 2007 / September 2007 / May 2008 /


TechTags !

، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،،،

Powered by Blogger